ابن عجيبة

500

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم قال تعالى : [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 37 إلى 38 ] وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ ( 37 ) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ ( 38 ) قلت : جمع التكسير يذكّر ويؤنث للعقلاء وغيرهم ، ولذلك قال : « بالتي » . و ( زلفى ) : مفعول مطلق ، أي : وما جماعة أموالكم ولا جماعة أولادكم ، و ( إلا من آمن ) : مستثنى من الكاف في « تقربكم » ، متصل ، وقيل : منقطع . و ( من ) : شرط ، جوابه : ( فأولئك ) . وعلى الاتصال ف « من » منصوبة بتقرب . يقول الحق جل جلاله : وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى أي : قربة ، إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ، يعنى أن الأموال لا تقرب أحدا إلا المؤمن الصالح ، الذي ينفقها في سبيل اللّه . والأولاد لا تقرب أحدا من اللّه إلا من علّمهم الخير ، وفقّههم في الدين ، وأرشدهم للصلاح والطاعة ، فإنّ عملهم يجرى عليه بعد موته لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، وعلم بثه في صدور الرجال ، وولد صالح يدعو له بعد موته » « 1 » . فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ أي : تضاعف لهم حسناتهم ، الواحدة عشرا إلى سبعمائة ، على قدر النية والإخلاص . وهو من إضافة المصدر إلى المفعول . والأصل : يجازون الضعف ، ثم جزاء الضعف ، ثم أضيف . وقرأ يعقوب بالنصب على التمييز ، أي : فأولئك لهم الضعف لأعمالهم جزاء بِما عَمِلُوا أي : بأعمالهم وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ أي : في غرفات الجنان آمنون من كل هائل وشاغل . وقرأ حمزة : « في الغرفة » إرادة الجنس . وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا ؛ في إبطالها ، بالرد والطعن مُعاجِزِينَ : مغالبين لأنبيائنا ، أو : سابقين ، ظانين أنهم يفوتوننا ، أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ ؛ يحضرونه فيحيط بهم . الإشارة : الأموال والأولاد لا تقرب العبد ولا تبعده ، إنما يقربه سابق العناية ، ويبدعه سابق الشقاء ، فمن سبقته العناية قربته أمواله ، بإنفاق المال في سبيل اللّه ، وإرشاد الأولاد إلى طاعة اللّه ، ومن سبق له الشقاء صرف أمواله

--> ( 1 ) أخرجه ، بنحوه ، مسلم في ( الوصية ، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته ، 3 / 1255 ح 1631 ) من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه .